ابن ميثم البحراني

303

شرح نهج البلاغة

الحضارة كما قال تعالى « الأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً ونِفاقاً » ( 1 ) الآية لا جرم وبّخهم لصيرورتهم كذلك . وليس كلّ الأعراب بالصفة المذكورة لقوله تعالى « ومِنَ الأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِالله والْيَوْمِ الْآخِرِ » ( 2 ) الآية . وكونهم بعد الموالاة أحزابا فالأحزاب الفرق الَّتي ينقسم لمحاربة الرسل وأوصيائهم ويجتمع لمخالفتهم وظاهر أنّ هؤلاء كذلك لانفسامهم وتشعّبهم إلى ناكثين ومارقين وقاسطين ومنافقين ومحاربتهم له حتّى ليس لهم إذن جامع في الإسلام يتعلَّقون به إلَّا اسم الإسلام ولا يعرفون من الايمان إلَّا رسمه وأثره وشعاره الظاهر بالشهادتين وحضور الصلاة دون الشرائط أُلحقّه وما ينبغي له . وقولهم : النار ولا العار كلمة يقولها أهل الكبر والأنفة من احتمال الأذى والضيم لأنفسهم أو لقومهم في الاستنهاض إلى الفتنة . والنار والعار منصوبان بفعلين مضمرين تقديرهما ادخلوا النار ولا تحتملوا العار . ثمّ شبّههم في حالهم وقولهم ذلك بمن يقصد أن يقلَّب الإسلام على وجهه ، وكنّى بذلك عن إفساده كناية بالمستعار ملاحظة لشبههه بالإناء يقلب فيخرج ما فيه عن الانتفاع به ، ووجه التشبّه المذكور أنّ أفعالهم المذكورة كأفعال من يقصد ذلك من أعداء الإسلام لإرادة إفساده . وقوله : انتهاكا ونقضا . منصوبان على المفعول له والعامل قوله : تكفؤوا ، ويصلحان غايتين عقيب كلّ فعل نسبه إليهم يفسّرهما ذكرهما هاهنا ، وميثاقه ما أخذ عليهم فيه وأسلموا من جزئيّاته وهى الايمان الصادق باللَّه ورسوله وما جاء به من القوانين الشرعيّة . ثمّ وصف ذلك الميثاق بكون اللَّه تعالى قد وضعه لهم حرما في أرضه يمنعهم من كلّ عدوّ وأمنا بين خلقه لمن دخله وأراد محلّ أمن فحذف المضاف أو تجوّز بلفظ الأمن في المأمن إطلاقا لاسم الحال على المحلّ . وقوله : وإنّكم . إلى قوله : بينكم . تحذير من الاعتماد على غير الإسلام واللجأ إليه من شجاعة أو حميّة أو كثرة

--> ( 1 ) 9 - 98 . ( 2 ) 9 - 100 .